ملا محمد مهدي النراقي
136
انيس المجتهدين في علم الأصول
المتأخّرون الواجب بالمطلق « 1 » ؛ لأنّ مطلق الواجب على قسمين : أحدهما : المقيّد ، وهو ما كان وجوبه مقيّدا بمقدّمة زائدة على الأمور المعتبرة في التكليف ، كالزكاة المتوقّف وجوبها على ملك النصاب ، والحجّ المتوقّف وجوبه على الاستطاعة . ولا خلاف في عدم وجوب هذه المقدّمة ؛ لأنّه قال الشارع : من ملك النصاب يجب عليه الزكاة ، ومن استطاع يجب عليه الحجّ ، وليس هذا أمرا بتحصيل النصاب والاستطاعة ، بل المراد إن اتّفق ذلك يجب الزكاة والحجّ ، وإن لم يتّفق فلا وجوب ، ولذا قيل : ما ارتكبه القدماء - من عدم التقييد - صحيح « 2 » ؛ لأنّ غرضهم من الواجب ما هو واجب بالفعل والحقيقة ، والواجب المقيّد قبل اتّفاق مقدّمته ليس كذلك « 3 » . وثانيهما : الواجب المطلق ، وهو ما أمر به الشارع مطلقا من غير تقييد وجوبه بمقدّمة زائدة ، كالصلاة التي أمر بها في حالة الطهارة والحدث ، ولكنّها تتوقّف على الطهارة ، إلّا أنّ الطهارة ليست قيدا لوجوبها ، بل هي واجبة وإن لم يتّفق الطهارة . وهذه المقدّمة هي التي وقع فيها الخلاف . وقد يكون واجب بالنسبة إلى مقدّمة مقيّدا ، وبالنسبة إلى أخرى مطلقا ، كالصلاة بالنسبة إلى البلوغ والطهارة ، فلا يجري الخلاف في الأولى ، ويجري في الثانية . [ الأمر ] الثالث : وجوب الشيء إمّا عقلي ، وهو لا بدّيّة فعله ، أي العقل يحكم بأنّه لا بدّ من فعله ولا مفرّ منه . وإمّا شرعي ، وهو أن يتعلّق خطاب الشارع به أصالة أو تبعا حتّى لو ترك ترتّب عليه العصيان . ثمّ الظاهر من كلام الأكثر أنّه لا خلاف في ثبوت الوجوب العقلي لجميع مقدّمات
--> ( 1 ) . راجع معالم الدين : 60 : « أنّ الأمر بالشيء مطلقا » . ( 2 ) . أي لا نحتاج إلى قيد الإطلاق ؛ لفهم القيد من كلمة « الواجب » ، فليس معنى العبارة حصر الصحّة في عبارة القدماء . ولو كان الحصر مرادا ، لقال : « هو الصحيح » . ( 3 ) . قاله الملّا ميرزا في حاشية معالم الدين : 57 . وهو حسن في عبارة « مقدّمة الواجب » لا في « مقدّمة الشيء » ، فإنّه يحتاج إلى القيد .